العَرَبُ.. والعَرَبِيَّة

قياسي



سُمِّيَ العربُ عرباً، لأنهم تميزوا عن غيرهِم مِنَ الأُممِ بالإعراب، وهو الفصاحةُ والبيان..

كانَ العربُ، في جاهليتهِم، أَربابَ فصاحةٍ وبلاغةٍ وبيان، يقيمون أسواقاً للشِّعرِ وفنونه، حتَّى إنهم يُعلِّقونَ عيونَ شِعرهم على جِدارِ الكَعبةِ المشرَّفة، تكريماً لقصائدهِم التي سُمِّيتْ بالمعلَّقات. ولقد جاءتْ مُعجزةُ الإسلام، قرآناً عَربياً، تَنزِيلاً مِنَ الله العزيزِ الحكيم، جاءَ هُدىً ورحمةً للعالمين. ولقد تحدَّى الله تعالى جَهابِذَةَ العَربية وأقحَاحَهَا، آنذَاك وعلى مرِّ العُصور، أنْ يَأتوا بسُورةٍ أو آيةٍ مِنْ مِثله، فمَا أفلحوا، بَل هُم مَن أُخذوا بكلماتِ الكتابِ المبين وآياته، مَنْ آمنَ منهُم ومَنْ لَمْ يُؤمن، وهؤلاء مُشركو قُريش وسَادتُهَا يَسْتَرِقُونَ السَّمعَ، فيقولُ الوليدُ بنُ المغيرة: “واللهِ إنَّ لهُ لَحلاوة، وإنَّ عليهِ لَطلاوة، وإنَّ أعلَاهُ لَمُثمِر، وإنَّ أَسفَلَهُ لَمُغدِق، وإنَّهُ لَيَعلو ولا يُعلَى عليه، وإنَّه لَيَحْطِمُ مَا تَحتَه، ومَا يقولُ هذا بَشَر!”

القرآنُ العظيمُ لَمْ يُعجِزْ في بَلاغتِهِ وبَيانِهِ وفصاحتِهِ فَحَسْب، بل هو مُعجزٌ في العلوم، وفي المغيَّبات، وفي الشَّريعةِ ومِنهاجِ الحَياة. وإذا كانَ القُرآنُ المجيدُ مُعجِزاً لأُولئكَ العَرب، فُحُولِ اللُغَةِ وفُرسَانِها، وكانَ لهم ما تذوقُوهُ مِن حَلاوةٍ وطَلاوة، وعَلمُوا بفَهمِهِم أنَّهُ يَعلُو ولا يُعلَى عليه، وعَلموا أنْ ما يقولُ هذا بَشَر، فَمَا بَالُنَا نَحنُ في زمانِنَا وقَد تَضَعضعَتْ لُغَتُنَا، والتَوَتْ ألسِنتُنَا، وتَعَدَّدَتْ لهجَاتُنَا، وتَفَشَّى اللَّحنُ، وتَكَاثرتِ العَاميَّةُ! كيفَ يُمكنُ لأجيالِنَا أَنْ تَفهَمَ آياتِ الكتابِ المبين، فضلاً عن نِعمةِ تَذوُّقِهَا وَسَطَ كُلِّ هذا التَرَاجُعِ في مناهجِ تعليمِ العَربية، ووَسَطِ ما تَسْمَعهُ الناشئةُ في الأسواقِ، والمنشَآتِ العَامَةِ، والمتنزهَاتِ، وما تراهُ فيها مِن الإعلاناتِ واللافتاتِ، ووسطَ الطَّامَةِ الكُبرى، وسَائلِ الإعلامِ المرئيةِ والمسمُوعةِ والمقرُوءةِ، حَتَّى أَنَّ الكَثِيرَ مِنهَا اعتَمَدَ العَامِّية؟! ونحنُ هُنا لانتحدَّثُ عن الإسفَافِ في مضمونِ هَذهِ الوَسائِلِ، ولو أنَّ الهبوطَ في المبنَى يَتبعهُ، في الغَالِبِ، هُبُوطٌ في المعنَى. إنَّما الحديثُ عَن لُغَتِنَا العَرَبيَّةِ الجميلة، التي هي أقدَمُ اللُّغاتِ، والتي ما تزالُ تَتَمَتَّعُ بخَصَائِصِهَا.

وحيثُ إنَّ العَرَبَ أُمَّةُ بَيَانٍ، فإنَّ العَمَلَ عندهُم مُقترِنٌ بالتَّعبِيرِ والقَولِ، ولِلُّغَةِ في حَيَاتِهِم شَأنٌ كبيرٌ وقيمةٌ أعظمُ مِن قِيمةِ أيِّ لُغَةٍ أخرى عند مُتحدِّثيهَا. ولأنَّها لُغَةُ القرآن، فهي التي حَمَلتْ الإسلامَ وحَضَاراتِهِ وثقافاتِهِ إلى شُعوبِ العالمِ، فتَكَلَّمَ العَربيَّةَ العديدُ مِن هَذهِ الشُعوب. وعلى هذا، فإنَّ المسؤوليةَ تكونُ أشدَّ، والتَّبِعَة أثقَل، على كاهلِ المعنيينَ بالعربيةِ والنُّهوضِ بها، جماعاتٍ وأفراداً.

وهذه دعوةٌ لهؤلاءِ الفُضلاءِ للتَّدخُّلِ أولاً في وقفِ هذا التَّدهورِ اللُّغوي، في المؤسَّساتِ العامةِ والخاصةِ، وثانياً العملُ على إنشاءِ فضائيةٍ تختصُّ باللُّغةِ العربية، يَتِمُّ التأسيسُ لها وَفقَ رُؤيةٍ واضحةٍ، وخُطةٍ مدروسَةٍ، ثم خارطةٍ برامجيةٍ، تُنفِّذُ الخطةَ وتنسَجِمُ مع رُوحِ الرُؤيةِ.

لسنَا هُنا في مجالِ التفصِيلِ ، ولكن نُشيرُ إلى أنَّ اللغةَ أوَّلُ ما عُرفَتْ مُشافهةً. فالصوتُ المسموعُ لابُدَّ أنْ يَنَالَ الاهتمامَ الأولَ في كُلِّ مَادةٍ تُعرَض. أمَّا المحتوى فواسعٌ غزيرٌ، غزارةَ العَربية وخُصوبَتِهَا وعُلومِهَا وفنونِهَا، مِنَ البَلَاغَةِ والإيجازِ والاشتِقَاقِ، والنَحوِ والصَّرفِ والإعرِابِ، وسَعَةِ المفردَاتِ، وكَثرَةِ التَّراكِيبِ، والترادُفِ والأضدَاد، والمشتركاتِ اللَّفظِيةِ، والعَرُوضِ والشِّعرِ وبُحُورِهِ، والتَّفعِيلَةِ. تمتلكُ العَربيَّةُ أوسعَ مُدرَّجٍ صَوتيٍّ عَرَفَتْهُ اللُّغاتُ، فتتوزَّعُ مَخَارِجُ الحُروفِ بَينَ الشَفتَينِ إلى أقصَى الحَلق. ومُعجَمُ العَرَبيةِ هو أغنَى مَعَاجِمِ اللُّغاتِ، يَضُمُّ أكثرَ مِن مَليونِ مُفرَدَةٍ، والمادةُ اللُّغويةُ هيَ مُجرَّدُ جَذْرٍ، والجذرُ يَتفُرَّعُ ويُشتَقُّ مِنه مُفرداتٍ عَديدةٍ، وغيرَ ذلكَ كثيرٌ كثير..

نتمنَّى على مَن سَيتولَّى فَضيلةَ هذا العَمَلِ، تقديمَهُ بأسلُوبٍ جَذَّابٍ شَيِّقٍ، وأنْ يتمتَّعَ المتحدِّثونَ والمقدَّمونَ بسَلامَةِ مخارجِ الحُروفِ، وبأصواتٍ جميلةٍ، وأداءٍ مُعبِّرٍ، وَاضِحٍ، سَلِسٍ، مُريحٍ للأُذُنِ غَيرَ مُتُكَلِّفٍ، وغَيرَ مُتَقَعِّرٍ، يُحسِنُ التوقُفَ والمتَابَعَةَ، ويُعطِي كُلَّ حرفٍ زَمَنَهُ الطبيعِي، فلا تَتَقَارَبُ الحروفُ حتَّى تتراكبَ على بَعضِهَا فتذهبَ هويَّتُها، ولا تتمَطَّطُ فتفقِدَ معنَاهَا.

وقد قُلنَا بِدايَةً سُمِّيت العَرَبُ عَرَباً، لأنَّهُم تميَّزوا عن غيرِهِم مِنَ الأُمَمِ بالإعرَابِ وهُو الفَصَاحَةُ والبَيَانُ، فلنَكُنْ عَرَبَاً بلُغَتِنَا وفَصَاحَتِنَا، حَتَّى نَرقَى لِفَهمِ القُرآنِ الحكيمِ، وتَذَوُّقِ حَلَاوَتِهِ..

 الفاتحة

Advertisements

6 responses »

  1. موضوع قيم وهام، هل من يسمع؟ هل من يتحرك؟
    جعلتني بان أقرأ بالفصحى (وحدي)… هل أقرأ جيداً؟!! أرجو ذلك
    شكراً بان

  2. نسخة إلى أصحاب الفضائيات والمعنيين بالأمر للارتقاء بمستوى اللغة العربية
    أؤيد إنشاء فضائية عن اللغة العربية وعلومها
    مقال مهم

  3. أرى أن الدور الأهم هو للعائلة والمدرسة في تقوية اللغة العربية عند الأطفال
    علينا تفعيل دور الإعلام بما يخدم اللغة العربية
    وأن نتخلص من التأثير السلبي لوسائل الإعلام

    • أهلاً نمير.. نعم للأسرة الدور الأول في تعليم العربية الصحيحة للأطفال..
      وللمدرسة دور غرس أهمية لغة القرآن عندهم..
      وللإعلام دور هام في تعليم الأجيال أو إفسادهم

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s