على أعتابِ الثلاثين…

قياسي

منذُ سنين، قررتُ ألا أمارسَ الكتابة إلا بعدَ بلوغي سِنَّ الثلاثين. فحينها ستكونُ كتابتي أنضج وأوسعَ معرفة. كنتُ قد مارستُ الكتابة فعلاً في صغري، وذلكَ عندما كنتُ أقدِّمُ برنامجَ “أحباب فلسطين” الإذاعي، وأكتبهُ في سنواتِهِ الأخيرة. حررتُ الأخبار، وصغتُ الحوارات، وألَّفتُ الفقرات وأنا دونَ السادسةَ عشرة. وفي الجامعة، وبحكمِ دراستي للأدبِ الإنكليزي، جنحتُ للكتابة بالإنكليزية مقالاتٍ وشعراً. وبقيتُ أقلِّبَ التفكيرَ في الكتابة، حرفةً ومَلَكة، إلى أن استكتبتني دارُ الفكر في دمشق، لإعدادِ سلسلةِ قصصٍ للأطفال عن فلسطين. وهنا ملعبي وقضيتي! رحتُ أتجوَّلُ في فلسطين، مدينةً مدينة. أقصُّ المغامرات وأحوِّلُ المعلوماتِ إلى حواراتٍ على ألسنةِ النمل. أعددتُ الإخراجَ والصورَ وتواصلتُ مع الرَّسام، فخرجت القصصُ الستة بأفضلِ حال. لم أكن حينَها قد أنشأتُ بعدُ المدوناتِ والحسابات على الانترنت لأمارسَ الكتابةَ عبرها. كانت تجربةً ممتعة، أعدتُ فيها النظرَ بمسألة الثلاثين!

  • كانَ القائدُ القسامي المهندس يحيى عياش دونَ الثلاثين عندما استشهد. وقد أنجزَ في سنواتِ عمرِهِ القليلة، ما يعجزُ عنهُ معمرونَ كُثُر. أنشأَ مدرسةَ الاستشهاديين، ودرَّبَ جيلاً من خبراءِ المتفجرات، وأقضَّ مضجعَ العدو وأحيا أمة.
  • كان كرستوفر مارلو في الثامنة والعشرين عندما قُتل. المسرحيُّ الإنكليزي الذي لو عاش لما عَرَف العالمُ صديقَهُ شكسبير، ولما اهتمَّ بهِ أمامَ إبداعِ مارلو الذي خلفتْ سنواتُ شبابهِ مسرحياتٍ عظيمة تفخرُ بها إنكلترا تاريخاً وأدباً.

والأمثلةُ لا تنتهي.

إذن، لا ينبغي للمرءِ أن يؤجِّلَ الخوضَ بأيِّ مجال، متى ما وجدَ في نفسِهِ الموهبةَ والقدرة. إلا أنَّ سنيَّ العمر وما تزرعهُ فينا من خبرة، تصقلُ المواهب وتزيدُها نضجاً.

عند الثلاثين، تتدافعُ ذكرياتُ سنواتٍ فتية، ترسمُ لوحةً متكاملةً خلابة. فلا تكادُ تقدمُ على أمر، إلا استرقتْ عيناكَ النظر إليها أولاً. وتتوازنُ كفتا الماضي والمستقبل، فتحتاجُ للتوقفِ برهةً، تقيِّمُ ما كان، وتقررُ ما سيكون. لا يشعرُ ابنُ العشرين بهذا العِقدِ الأخيرِ الذي مرَّ وكأنَّهُ دهر. عشرٌ حواسم تحصلُ بها على شهادةٍ جامعية، وتشرَعُ في امتلاكِ زمامِ مهنة، وقد تضعُ اللبِنَة الأولى لبناءِ عائلة، وربما تسلكُ طريقاً ثم تعدلُ عنه إلى غيره. عندها يحينُ موعدُ القراراتِ المصيرية، فكيف وقد أمسيتَ وحياتُكَ وبلدُكَ والدُّنيا كُلُّها على مفترقِ طُرُق؟!

لا يدركُ المرءُ لِمَ جعلَ سبحانه وتعالى سِنَّ الثلاثين، أو يزيد، عمراً خالداً لأهلِ الجنة، إلا عندما يبلُغه. إنَّه العمر الذي يصبح معه الإنسانُ أكثرَ جمالاً، ونضجاً، وتألقاً، وما هي إلا عشرٌ واعدتٌ أُخريات حتَّى يصلَ القمة.

Advertisements

3 responses »

  1. كلام درر والله …. وأضيف ان اسامة بن زيد تولى قيادة الجيش وفيه أبو بكر وعمر وعمره قارب 11 سنة ..والشباب السوري استطاع ان يتجاوز المثقفين والسياسيين ويكسر المحرمات الاسدية وووووووالامثلة كثيرة …

  2. هَدهَدتِ نحو الثلاثين .. فكنت انضج فكرا .. وأجمل روحًا .. وأوسع تجربة .. فلا تأسي على ما فات ، فالقادم أجمل بإذن الله .. وإن كان هذا هو ربيع عمرك ، فأسأل الله ان يبلغك أجمل ما في حياتك .. وان تهنأي بهذا العمر يا صديقة ^^ ..

  3. كم هي رائعه هذه الكلمات عندما خرجت من فاه فتاة راقيه بلغت الثلاثين سن االنضج وانا لا اتصور في الايام التي مرت سوا اتك ابدعت كما قلت وستبدعين يوما بعد يوم هنيئا لك اخلاقك وتربيتك وحسن تصرفك في كل امور حياتك فهاذا دائما ما ننتظره من فتاه واعده مثلك.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s