Category Archives: حكاية فلسطينية للأطفال

حكاية فلسطينية للأطفال: صديقي علي عفانة

قياسي

قصة علي عفانة،صورة

كنتُ ألعبُ مع الأولاد، جاءتْ أمي و جرَّتني من يدي فصرخت: اتركيني! قالت: امشِ يا ولد، إنهم يقتلون و يذبحون.
سألتها: مَن هم يا أمي؟ قالت: الحربُ بدأت و هم يقتلون الأولاد. خِفتُ و سألتُ أمي: ما هي الحرب؟ قالت: امشِ يا ولد.
أخذتْ الأصواتُ المزعجة تشتد. نظرتُ فرأيتُ دخاناً كثيفاً يتصاعدُ في السماء، وأبصرتُ علي عفانة يُطلُّ من بابِ بيتهِم، و صحتُ قائلاً: علي… الحربُ بدأت.
قال: أعرف… هل رأيتَ الدبابات؟ قلتُ: لا. قال: طلبتُ من أبي أن يشتري لي دبابة.
سرتُ إلى جانب أمي، و سألتها: لماذا يقتلون الأولادَ يا أمي؟ قالت: حينما تكبر سوف تعرف. فكرتُ طويلاً و قرَّرتُ أن أسأل علي عفانة، فأبوهُ يحكي له أشياءَ كثيرة.
حينما نهضتُ من النوم اليوم قالت أمي: جاؤوا في الليل و أخذوا أباك. كانت أمي حزينة، و لم أفهم شيئاً.
قابلتُ علي عفانة و قلتُ له: أخذوا أبي في الليل. فقال: تجري الأمورُ عجيبةً لا نفهمها.
رأينا دبابة و سياراتٍ عسكرية فأصابنا الخوف، وقلنا جاؤوا من جديد ثم ابتعدنا.
اقتربوا من بيتِنا، و رأيت جدي غاضباً، و عَلا صوتُ أمي بالصراخ، اقتربتُ منها و قبضتُ على طرف ثوبها، و أخذتُ أبكي، و سألتُها: أين أبي؟… ضمتني إلى صدرِها و قالت: أبوكَ في السجن.
أمرَنا الجنودُ أن نبتعد، فابتعدنا ووقفنَا نتفرَّج، سمعتُ صوتاً شديداً، ورأيتُ الدخانَ الأسودَ يلُفُّ البيت، ثم بدأ الدخانُ ينقشع، و لم أعد أرى بيتنا، فقد هوى على الأرض.
اقترب مني علي عفانة و قال: نسفوا بيتكم. سألته: لماذا ينسفون البيوت، ويضعون الناس في السجن؟ قال علي عفانة: الكبارُ فقط يعرفون.. فقلت: يقولون إن لهم أولاداً مثلنا، يا ترى صحيح؟
قال: أنا لا أصدق، دائماً أراهم بدون أولاد، لديهم أسلحة فقط. و سألني: هل رأيتَ ولداً في دبابة؟ قلت: لا. قال: إذاً ليس لديهم أولاد.
لم يعد لنا بيت، أمي تبكي دائماً، و أنا أصبحتُ حزيناً لا أحبُّ اللعب.
اتفقتُ اليوم مع علي عفانة أن نسدَّ الشارع بالحجارة، و قلنا: دباباتهم تنسف البيوت و لن نتركها تمر. اقتربت منا دبابة، فصرخنا عالياً و قذفنا الجنود بالحجارة، أطلقَ الجنودُ النار، فأصابني خوفٌ شديد، و كدتُ أهرب، لكني تجمدتُ في مكاني حينما وقعَ علي عفانة على الأرض و أخذ الدمُ يسيلُ من صدره، صحت بأعلى صوتي: علي….. علي… لكنه لم يتكلم، و كان الجنودُ يتراكضون من حولنا.
ذهبتُ اليوم إلى المقبرة. مازالَ الترابُ طرياً حول القبر. و رنَّت في أذني كلمة علي عفانة: “ليس لديهم أولاد”.
الآن يرقد صديقي علي عفانة تحتَ التراب، وسالتِ الدموعُ من عيني، وأخذتُ أتساءل: لماذا يقتلون الأولاد؟ عدتُ حزيناً .. فقد سجنوا أبي، و نسفوا بيتي، و قتلوا صديقي علي عفانة.. و أحسستُ أنني أكرههم كثيراً.

منقول