Tag Archives: ذكرى النكسة

وسامُ فلسطين.. في ذكرى النكسة

قياسي

الشهيد وسام خالد سعدية

وسام ذو الخمسةَ عشرَ ربيعاً. حصلَ على الشهادةِ الإعدادية، وبقيَ يحلُم.. بالشهادةِ الأخرى. عندما سمعَ عن نيةِ الرفاقِ الزحفَ نحوَ الجولان.. نحوَ فلسطين. رآها نصبَ عينيه.. فإما فلسطين.. وإما الجنة. طلبَ من والدتِهِ نقوداً وقالَ لها إنه يريدُ أن يشتريَ عطراً هديةً لصهره، أعطتهُ أمهُ ما يريد. وفي الخامسِ من حزيران انطلقَ مع رفاقِهِ إلى الجولان. وصلَ إلى الزمانِ والمكان. رآهم من بعيد، يحجبونَ عنه فلسطين ، رماهم بالحجارة على قدرِ كرهِهِ لهم، جنودٌ أوباش.. مزَّقَ الأسلاكَ الشائكة.. كأنَّه يراها الآن، صممَ أن يطأها للمرةِ الأولى..

أحسَّ بها تدخلُ كتفَه، كانت كالصَّاعقة.. ارتمى على الأرض.. حملهُ الأصحابُ للمستشفى الميداني، انتزعَ الطبيبُ رصاصتهم من كتفه، وضمَّدَ جرحَه.. هتفتْ أمه إلى جواله، “أنا بخير يا أمي.. عد للبيت يا ولدي..” وكيفَ يعودُ ولما يطأهَا بعد، وما تزالُ تناديه، أمه الأولى. قررَ أن يبرَّها أولاً.. عادَ إلى الجولان، مجروحَ الكتف، مضمدَ الجراح.. تذكرَ حكايا جدِّه، ووصيَّةَ جدتِه، “لا تنسى فلسطين، هم يراهنونَ على نسيانِ الصغار.. إياكَ أن تنساها! هذا مفتاحُ بيتنا، ستعودُ إليه أنتَ وأخواتُك وأبناءُ عمك إن لم نستطع نحن”.. وكيفَ ينساها، ولا يهدأُ ذكرُها في عقله وقلبه! اشتد عزمُهُ على المضيِّ إليها.. كانوا ما يزالونَ هناك، مدججينَ بأسلحتهم.. “ألم أقتلكَ قبل قليل؟!! كيفَ عدت!!” ظنَّ الصهيوني أنْ رأى شبحاً.. نظرَ الشهيدُ الحي بعينيهِ وتقدَّم، لم يخافَه، فكيفَ يخافُ من عينينِ فزعتين!

إنها على بُعدِ خطوتين، فكانت الخطوة، وكانت الثانية، وها قد وطأها! وصلَ إليها أخيراً، يا الله ما أجملها! إنها كما يصفُ الأجداد، بل أجمل وأجمل وأجمل..  إنها .. الجنة!

استشهدُ من فوره بعد أن اخترقت رصاصةُ الصهاينة رأسَه. هتفتْ أمه. هذه المرة أجابَ صديقه “استشهد وسام.. يا أمي”. احتسبت أم وسام عند الله وحيدها! ثلاثةٌ أيامٍ ولم يغادرِ القرآنُ الكريمُ مسامِعَنَا، لم أستطع مرافقةَ جارتِنا لتهنئةِ أمِّ الشهيد، فذهبتْ وحدها. ما أعظم أن تهنئ أمُّ الشهيد أمَّ الشهيد! ما تزالُ الصورةُ الكبيرة لابنِ جيراننا ابنِ مخيم اليرموك في دمشق “وسام خالد سعدية” معلقةً على شرفةِ منزله، وما أزالُ أرمي عليه السلام كلما مررتُ أمامَ بيته.

 في 5-6-2011 كانت ذكرى النكسة، وكان الموعد مع فلسطين. توجه الآلاف من أبناء الشعب الفلسطيني المقيم في سوريا، من كل المدن والمخيمات إلى الجولان السوري المحتل، محطماً الأسلاك الشائكة وأعواماً كثير من نكبته ونكسته، يقرع رؤوس الصهاينة بالحجارة، مذكراً إياهم: إنا لن ننسى، ولن نبقى لاجئين، إنا عائدون عائدون..

 استشهد يومها 23 فلسطينياً، وجرح 361 برصاص الصهاينة، وأصيب آخرون بالغاز المسيل للدموع. عولج المرضى في مستشفى القنيطرة ومشافي دمشق، وكان من الشهداء: إبراهيم أحمد عيسى، أحمد محمود سعيد، أحمد ياسين رزق، عزت مسودة، إيناس شريتح، ثائر حميد، جهاد أحمد عوض، رمزي سعيد، زكريا أبو الحسن، سعيد الزعبي، سعيد حسن الأحمد، شادي حسن، عبد الرحمن جريدة، علاء حسين الوحش، علاء عواد، عماد الحجي، فادي ماجد نهار، فايز عباس، مجدي زيدان، محمد عيسى، محمود صوان، وسيم دوا، ووسام خالد سعدية. رحمهم الله جميعاً.

 فيديو تشييع الشهيد وسام في مسقط رأسه مخيم اليرموك